الأربعاء، 7 أبريل 2021

 من ذكريات الحرب 

________________


حين خرجنا من البيت كنا مكرهين. بمجرد أن سقطت أول قذيفة على أحد البيوت بالجوار إنهار البيت بكامله ..لم يكن بوسعي أن أفعل أي شيء أطفالي بدؤا في الصراخ .وسرعان ما حمل الأثير بكائهم حتى إلتحم معهم بقية الأطفال في الحيي كله .

ثمة مدخل واحد يفضي إلى الديار .الطريف يمر بمحاذاة الوادي المنحسر الذي يحمل أمطار الشتاء إلى سد المجينين يمر الوادي الذي كان نهرا ذات عام عبر مدائن الغرب حتى يلج أخيرا بوابة طرابلس دون يزعج هيمنة البحر أيام الصيف .

قبل قليل غربة الشمس بعد أن غسلت شعاعها الفضي المتوج بالهالة الحمراء في بحيرات تاجوراء تاركة سكان سوق الجمعه يعالجون مركب حاول الملثمين إصلاحه ليدخل المعركة من آخرها. .إقترح جاري عبدالسلام أن نلملم ما إستطعنا من ثيان وأشياء قد لانجدها مرة أخرى إذا ما تركناها تنتظر مصيرها بدلا عنا .جمعت أشياء قليلة مما تركه لنا الزمن بعد كل تلك السنين ونحن نعاني ويلات حرب لا ندري متى تنتهي .وأول ما فكرت فيه حقائب أطفالي المدرسيه .غير ذلك لم أستطع أن أحمل معي أي شيء. لازالت دفاتري الشخصيه وعكاز أبي ودعوات أمي كما هي كلا في مكانه .وبعد المغيب تسللنا مثل اللصوص سلكنا درب الوادي دون أن نشعل مصابيح السيارات وكلما صرنا نتمادي في المضي نحو النجاة كنا نسمع صرخات الشهداء وأزيز  المدافع وفي كل مرة كان الموت الذي ترسله الطائرات من الأعالي يسلك دربا آخر ..لم نصدق أننا نجونا مررنا على الفرناج وشهدنا على إنهيار آخر صرح لها وهو معسكرها القديم وثمة بضع بيوت إنهارت على قاطنيها تلك التي كانت إلى جوار السور الممتد بطول ميل ونصف الميل من الدوار الكبير حتى مثلث عين زاره .ثمة عربيات وجثث ملقاة على القارعة. الأطفال صاروا يقرأون قصار السور كما وردت في الفروض المدرسيه .لكنها جائت بالنتيجة. إذ أننا مررنا بسلام رغم كل شيء حتى نقاط التفتيش تجاهلتنا زوجتي قالت .. ربما لأننا عائلة. أظحكتن رغم الألم. قبل أن تندلع هذه الحرب ألم نكن عائلة واحده .هذا الوطن الكبير ألم يكن مجرد بيت واحد ومع ذلك إنهار نصفه الآن بعد أن حصد أرواح الشباب .

قبل أن ننحرف يمينا لنسلك طريق ترهونة كنا نسير بمحاذاة البحر ..لا أدري لماذا شعرت لوهلة وأنا أفتح النافذه ويقع بصري على بارجة تشق العباب لترسو في الشعاب ..قلت لايمكن أن تحمل لنا خيرا ونحن نخوض غمار الحرب ..لابد أنها جائت لتشعل النار فيما تبق من الهشيم .وحين إستنشقت الهواء بقوة تسربت إلى أنفي رائحة كريهة لاتشبه الموت ولا أفضل منه ..إنها رائحة الشقاق إنهيار الإنسان من الداخل حتى لا تظل فيه رحمة ولا شفقة على أخيه أو جاره أو من إستجار به. .

بعد كل هذه السنين من الهجرة والتهجير وبعد أن سقط بيتي ولم يبق فيه إلا سجادة للصلاه لازالت على الأرض وفي إتجاه القبلة. .علي أن أقرأ الفاتحه وأنطلق من جديد طالما صار لنا حكومة تنوي أن توحدنا. .ها قد جلبت لنا لقاح كورونا لنبق على قيد الحياه ..

_______________

على غالب الترهوني 

بقلمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 مأساة الطفولة 2 المتقارب إلى أين تمضي بنا يا زمان وتشعل بالشيب أيامنا أنا لم أزل في ربيع الزهور  وحلمي الطفولي غض المنى ومازلتُ أصغر مما تر...